جامعة زيان عاشور ( ولاية الجلفة - الجزائر ) - قسم العلوم الإنسانية
مدونة تهتم بمواضيع التخصص الجامعي في العلوم الإنسانية ( صحافة و تاريخ )
ملخص بحث حول الزوايا و دورها الثقافي و الجهادي في الفترة العثمانية و الاستعمارية

ملخص بحث حول

الزوايا و دورها الثقافي  و الجهادي

في الفترة العثمانية و الاستعمارية

مقدمة

 
         إن الزوايا في الجزائر هي التي حفظت لهذه الأمة المسلمة قرآنها ولغتها ودينها وأخلاقها الإسلامية ، إلى جانب ما قامت به من جهاد ودعت إليه وجندت له أتباعها، إذ ما من ثورة أو انتفاضة أو مقاومة أو جهاد إلا وهو مقرون باسم شيخ زاوية أو زوايا .  ويشهد التاريخ النزيه أن شيوخ الزوايا وأبناءهم من تلاميذ ومريدين كانوا أسرع من غيرهم مبادرة لجهاد العدو الأسباني والإيطالي والفرنسي .

        و تكمن أهمية دراسة هذا الموضوع في تصحيح نظرية وفكرة في ذهن الكثير أن لفظة (زاوية) معناها مزيج من رهبانية ومن فلكلور و شعوذة ودجل وغطرسة وخداع وبركة مغشوشة واحتيال وتخدير للعقول .. ، كل ذلك باسم الدين والبركة والكرامة و رضى الصالحين وهذا النوع من الزوايا هو الذي جلب للزوايا الصالحة الأذى والتجني عليها

         بل إن الزوايا و خاصة في بداياتها  كانت على عكس هذا تماما وعلى نقيض ، ففي بداية العهد العثماني كانت الزوايا عبارة عن رباطات أو نقط أمامية ضد الأعداء ، و قد لعبت الرباطات دورا كبيرا في فتح وهران الأول سنة ( 1119هـ ) و الثاني سنة ( 1205هـ ) ، كما كان للزوايا دور ايجابي في التعليم على الخصوص ،  فقد كانت بالإضافة إلى وظيفتها الدينية معاهد لتعليم الشبان و تنوير العامة

      من أجل هذا حاولنا في هذا البحث المتواضع الإجابة عن الإشكالية التالية :

- ما هي أهم أدوار الزوايا الثقافية و الجهادية في فترة الحكم العثماني للجزائر و كذا بدايات  العهد الاستعماري ؟

      و للإجابة عن هذا السؤال قسمنا عرضنا  إلى مبحثين :

تناولنا في المبحث الأول و الذي كان بعنوان : نظرة على الزوايا في الجزائر تعريف الزاوية اصطلاحا ، بناؤها ، أوقافها و موظفوها ، ثم تطرقنا إلى الرباطات و الشبه بينها  و بين الزوايا ثم ذكرنا بعض أهم الزوايا التي كانت آنذاك في أشهر المدن كالجزائر عاصمة الدولة و قسنطينة  و تلمسان و بلاد القبائل و غيرها لنتطرق بعدها إلى الزوايا و انتشارها حتى في الأرياف .

       أما المبحث الثاني فكان بعنوان : دور الزوايا  ومن خلاله تناولنا أهم أدوار الزوايا التعليمية الاجتماعية و الجهادية في هاتين الفترتين و إن كنا قد ركزنا على الفترة العثمانية .

  ومن المراجع  التي اعتمدنا عليها في بحثنا هذا

- أبو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، الجزء الأول

- ضيف الله محمد الأخضر ، محاضرات في النظم الإسلامية و الحضارة العربية .

 بالإضافة إلى مقالات :- عبد العزيز بديار ، مقاومة الزوايا للاستدمار الفرنسي في كتابات ذوي القربى والفرنسيس

- - الإبادة و التدمير ،  المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954

1 - الزاوية و بناؤها

     اصطلاحا هي عبارة عن مسجد ومدرسة أو معهد للتعليم القرآني والديني ومأوى لطلبة داخليين يعيشون في تلك الزاوية بلا مقابل أما بناؤها فيختلف عادة عن بناء المسجد و المدرسة ، فالزوايا غالبا ما جمعت بين هندسة المسجد و المنزل ، و هي في الجملة قصيرة الحيطان ، منخفضة القباب و العرصات ، قليلة النوافذ ، و إذا كان للزاوية مسجد فهو في الغالب بدون مئذنة ، فالزاوية من الناحية الهندسية غير جميلة ، بالإضافة إلى أنها كثيرة الرطوبة و العتمة .  و قد كانت بعض الزوايا متخصصة في استقبال نوع معين من الضيوف بنصوص أوقافها ، فزاوية مولاي حسن بالعاصمة كانت عبارة عن دار سكنى للعزاب ، و كانت زاوية سيدي أبي عتيقة تستقبل الفقراء و المرضى و العجزة ، و كانت زاوية سعيد قدورة مخصصة لاستقبال فقراء العلماء .. إلخ

- الرباطات و الزوايا :

الرباطات تشبه الزوايا من بعض الوجوه فهي مثلها في خدمة الدين و المجتمع ، و لكن الرباطات تمتاز بأنها قريبة من مواقع الأعداء و أن تأسيسها يهدف بالدرجة الأولى إلى خدمة الجهاد و الدفاع عن حدود الإسلام مع أداء مهمة العلم أيضا .

2 الزوايا في العهد العثماني و دورها

         من أبرز مميزات العهد العثماني في الجزائر انتشار الطرق الصوفية و كثرة المباني ( الزوايا و نحوها ) المخصصة لها ، ففي المدن و الأرياف عاش معظم المتصوفة يبثون عقائدهم و يلقنون أتباعهم . فإذا اشتهر أحدهم بين الناس أسس له مركزا يستقبل فيه الزوار و الغرباء و الأتباع و يعلم فيه الطلبة و يصبح اسم المتصوف ( المرابط ) علما على المكان ، و يصبح المكان يدعى بين الناس زاوية فلان أو رباط سيدي فلان .

- بعض  أشهر الزوايا في تلك الفترة :

في مدينة الجزائر مثلا و بالإضافة إلى زاوية و ضريح عبد الرحمان الثعالبي و زاوية ولي داده ، و زاوية عبد القادر الجيلاني ، هناك قائمة طويلة أخرى نذكر منها زاوية سيدي محمد الشريف و زاوية سيدي أحمد بن عبد الله الجزائري ، و سيدي الجودي ، و سيدي جمعة و سيدي الكتاني ..الخ .

 و في مدينة قسنطينة و نواحيها قائمة طويلة أخرى بلغت حسب بعض الإحصاءات ست عشرة زاوية ، فهناك زوايا و خلوات سيدي الكتاني و سيدي المناطقي و غيرها  ، كما كانت للعائلات الكبيرة بالمدينة زواياها مثل زاوية أولاد ،  و كانت هناك زوايا خاصة بالأتراك و الكراغلة مثل زاوية رضوان خوجة ، و في نواحي قسنطينة اشتهرت زاوية خنقة سيدي ناجي .

و قد اشتهرت أيضا تلمسان و نواحيها بزواياها و أضرحتها و مشاهدها نذكر منها زاوية سيدي الطيب ، و زاوية سيدي بومدين و زاوية محمد السنوسي ، و زاوية أحمد الغماري و ضريح سيدي الحلوي الأندلسي .. ، و تعتبر منطقة زواوة و بجاية من أغنى مناطق الجزائر بالزوايا ، فقد تصل فيها إلى خمسين زاوية ، نذكر منها زاوية تيزي راشد ، و زاوية الشيخ محمد التواتي ببجاية و زاوية الأزهري بآيت إسماعيل ، و زاوية ابن على الشريف بآقبو و كذلك سيدي منصور بآيت جناد و غيرها .. و هي كلها زويا اشتهرت بنشر التعليم و تخريج أجيال من المتعلمين .

1 – الدور التعليمي و الاجتماعي :

            يظهر الدور الايجابي للزوايا خاصة الريفية منها في التعليم على الخصوص . فقد كانت بالإضافة إلى وظيفتها الدينية معاهد لتعليم الشبان و تنوير العامة ، و قد اشتهرت بعض الزوايا و الخلوات الريفية حتى أصبحت محجة للزوار و الطلبة ، و من ذلك زاوية خنقة سيدي ناجي و خلوة عبد الرحمان الأخضري   و ضريح سيد خالد و زاوية محمد بن علي المجاجي ( أبهلول ) و زاوية القيطنة و زاوية ابن علي الشريف .. الخ .

و ظاهرة التعليم في الزوايا ليست خاصة بالريف ، ففي المدن أيضا كانت بعض الزوايا تقوم بدور ايجابي في نشر التعليم بجميع مستوياته . فالزاوية القشاشية قد تحولت تدريجيا إلى مدرسة عليا أو معهد ، و هذه الزاوية تتبع جامع القشاش ،      و كذلك زاوية شيخ البلاد في مدينة الجزائر ، و من الزوايا التي لعبت دورا أساسيا في نشر التعليم في غير العاصمة زاوية الفكون في قسنطينة ، و زاوية مازونة ذات الشهرة الواسعة ،   و زاوية عين الحوت بتلمسان و زاوية محمد التواتي ببجاية     و غيرها كثير .

2 – الدور الجهادي و الثوري :

        كان للتهديدات الإسبانية والبرتغالية على السواحل المغربية، وضعف سلطة الحكام المحليين على مواجهة ورد هذه الاعتداءات، بل والتعاون مع العدو ضد مصلحة أبناء البلد مثلما وقع مع الزيانيين تأثير كبير في نشأة علاقة كبيرة بين الطرق الصوفية ( الزوايا )  والعثمانيين .

وجدير بالذكر – حسب تنويه الأستاذ سعد الله- أن الحركة الصوفية في الجزائر كانت موجودة وشائعة حتى قبل الوجود العثماني في الجزائر، غير أن فترتهم وحكمهم هو الذي شاع فيه التصوف بشكل ملفت للانتباه . و بهذا يمكن القول بأن  الزاوية لعبت  دورا جهاديا ، ففي بداية العهد العثماني كانت الزوايا عبارة عن رباطات أو نقط أمامية ضد الأعداء ، فكان المرابطون يقودون أتباعهم في الحروب الجهادية و ينصرون المجاهدين و يطعمونهم في زواياهم و يتحالفون مع الأمراء المكافحين من أجل الدين و حماية البلاد ، و قد لعبت الرباطات دورا كبيرا في فتح وهران الأول سنة ( 1119هـ ) و الثاني سنة ( 1205هـ ) .

        و لكن الدوافع الجهادية بدأت تضعف بالتدريج بعد القضاء على الخطر الخارجي الداهم ، فعاد المرابطون إلى قواعدهم ، و لكن بعض الزوايا قد أصبحت مراكز لتدريب الأتباع على الثورة ضد السلطة و لا سيما في أواخر هذا العهد ، فقد ثار يحي الأوراسي و الزبوشي ، و ثار الدرقاويان ابن الشريف و ابن الأحرش ، و تململت الزاوية القادرية و الرحمانية ، كما تمردت الزاوية التجانية في عين ماضي و نواحيها .

3 - بعض التأثيرات السلبية للزوايا :

       أدت المبالغة في الاعتقاد في الشيخ و انتشار الزوايا     و الأضرحة إلى نتيجتين خطيرتين أولاهما تبسيط المعرفة      و ثانيتهما غلق باب الاجتهاد .

ذلك أن نقل التعليم إلى الزوايا قد أدى إلى الاكتفاء بالحد الأدنى منه بطريقة جافة ريفية ضيقة ، و أصبحت الزاوية بذلك تنافس المدرسة و الجامع في نشر التعليم و في كسب الأنصار ، و بدل أن يلتف الناس حول العلماء المتنورين في المدارس و المساجد أصبحوا يلتقون في زاوية حول شيخ أو مقدم تغلب على عقله الخرافة و على أحواله الزهد ، و هكذا تدهور مستوى التعليم .

3 دور الزوايا في العهد الاستعماري  

اعتمد الجيش الفرنسي و قادته إستراتجية الحرب الشاملة في تعاملهم مع الشعب الجزائري ، و قد  تعرضت المؤسسات الثقافية و الدينية إلى الهدم و التخريب و التدمير وعلى رأسها المساجد و الجوامع و المدارس  و الزوايا ، فقد تعرضت 349 زاوية إلى الهدم و الاستيلاء . ومن أشهر الزوايا التي اندثرت من جراء هذه السياسة زاوية القشاش و الصباغين و المقياسين و الشابرلية.

      و قد أنجبت أغلب الزوايا رجالا ونساء عرفوا بالتصدي للاستدمار الفرنسي أمثال لالة فاطمة أنسومر والشيخ أمزيان محمد بن علي بلحداد و غيرهم هذا الأخير استطاع أن يجند 15000 مجاهد في يوم واحد عندما انطلقت ثورة 1871 حسب محمد نسيب ( زوايا العلم والقرآن بالجزائر، ص 219) ، وغيرهما من رجال ونساء الصلاح والإصلاح .

وفي هذا الإطار  نذكر ما أورده بعض الباحثين الفرنسيين بالذات

يقول الباحث جان كلود فاتن: إن الزوايا في الجزائر كانت تشكل أقطابا للمقاومة وخلايا للرفض ومواطن للانتفاضة المسلحة

وتقول إيفون تيران : تعتبر الزوايا مسؤولـة عن انتفاضـة 1871 حسب ملخصات من مذكرة الجنرال فيولا شارون المؤرخة في 29/06/1849

فزوايا الإصلاح والصلاح كانت معاقل للرفض ومواطن إنعاش وإيقاظ ديني وثقافي وسياسي .

 



Add a Comment



Add a Comment

<<Home